عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

29

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

وعند الدخول في هذا المشهد ، يسمع العبد صلصلة الجرس . وعند التوسط فيه ، يرى الرفرف ، والنعلين ، والتاج ، والسرير ، والمتجلي في ذلك ، على الصورة المذكورة في الحديث النبوي . آفة هذا المنظر : هو أن العبد لا يدرك نهاية الصفات ، التي قد اتصف بها ، من صفات اللّه تعالى ، لا كلها ، ولا واحدة منها . وإن حصلت له الإدراكات ، ففي الشأن الإلهي ، على طريقة الإجمال ، مع شهود التفصيل في الإجمال ، حكما ، لا عينا . وهذا نقص ، لأن الحق تعالى يدرك صفاته ، وما اقتضته كل صفة من الآثار ، إجمالا وتفصيلا ، وجوديا وعينيا ، ليس عنده في ذلك شائبة خفاء ، ولا عجز . وهذا لا سبيل إلى استيفائه ، لأحد من خلق اللّه تعالى ، ولكن الكمل متفاوتون في ذلك . هذا المنظر : أول مقامات الوصول ، عند الكمل . وعلى الحقيقة : فما ثم مقام ينتهي إليه الواصل ، بحيث الاستقرار ، لأن اللّه تعالى ، لا نهاية له . فكذلك الذاهب بمعارفه الإلهية ، لا نهاية لمقاماته . وليس فوق هذا المقام ، المسمى بالتمكين ، مقام إلا : القربة ، فالخلة ، فمقام الحب ، فالعبودية المحضة . وبين كل مقامين ، من هذه المقامات ، من المناظر : ما لا نهاية له . وفيها يتفاوت الكمل : كل أحد على قدر قوة علمه ، ووفور عزمه ، وعلو همته ، وحسن قابليته ، وصدق نفوذه في ذهابه ، وظهور أثر باطنه على ظاهر إهابه ، فاعلم . نزلنا على حكم الترتيب ، إلى تفصيل ما أمرنا الحق ، تعالى ، بتوقيعه ، في هذا الكتاب ، على حسب الوضع الحقيقي الإلهي . واللّه الموفق ، لا رب غيره . * * * منظر ( المكالمة ) كلام الحق تعالى ، يسمعه العبد ، بسمع اللّه تعالى : فيكون مع الكلام بكلية جسده ، وقلبه ، فتذهب كليته في سماع الكلام . وفي هذا المشهد : يقرب العبد ، فيؤتى به إلى حضرات الاصطفاء : فتارة يسمع الكلام من كل جهة ، فلا يتقيد سماعه بجهة ، دون أخرى . وهذا النوع يسمى ( المكالمة ) .